RSS

البنوك الإسلامية تجربة فاق نجاحها التوقعات

15 مارس

 islamic_bank.jpg

أكد عدد علماء الشريعة الإسلامية وأساتذة الاقتصاد أن انتشار البنوك والمصارف الإسلامية داخل العالم الإسلامي وخارجه وإقبال المتعاملين المسلمين وغير المسلمين على التعامل معها وتزايد حجم استثماراتها يؤكد مصداقية الاقتصاد الإسلامي وقوة المبادئ والأسس التي تعتمد عليها تشريعات الإسلام. وأشاد العلماء والخبراء بموقف دولة الإمارات العربية المتحدة وتبنيها للبنوك الإسلامية ودعمها لها.. حيث شهدت دبي ميلاد أول بنك إسلامي في العالم وهو “بنك دبي الإسلامي”.. ومنه انطلقت مسيرة البنوك الإسلامية الناجحة إلى كل الدول العربية والإسلامية. وتوقع العلماء والخبراء أن تشهد مسيرة البنوك الإسلامية نجاحات أكبر خلال السنوات القليلة القادمة في ظل اندماج بعض البنوك التقليدية مع البنوك الإسلامية وتحول أنشطة ومعاملات العديد من البنوك التقليدية إلى المعاملات الإسلامية، وزيادة إقبال الجماهير على البنوك التي تتعامل وفق المنهج الاقتصادي الإسلامي. ففي الإمارات وحدها يشهد العام الجديد 2008 ظهور ثلاثة مصارف إسلامية عملاقة إلى جانب خمسة مصارف قائمة وكان أحدث مولود هو “مصرف نور” الذي انطلق فعليا في السابع من شهر يناير الماضي. وتستعد العاصمة أبو ظبي لتدشين المصرف الإسلامي الأكبر في الإمارات وهو “مصرف الهلال” في يونيو/ حزيران المقبل وسيتجاوز رأسماله 4 مليارات درهم ليواكب النمو الاقتصادي الكبير الذي تشهده الإمارة. حصلت حكومة عجمان على موافقة مبدئية من مصرف الإمارات المركزي لتأسيس “مصرف عجمان الإسلامي” كشركة مساهمة عامة حيث من المنتظر أن يتراوح رأس المال من مليار إلى ملياري درهم حسب اقتراح “المركزي” وألا تقل نسبة مساهمة حكومة عجمان في رأس المال عن 25% وأن يعطى مواطنو عجمان نسبة جوهرية من أسهم التأسيس، كما سيتم طرح 55% من أسهم البنك في اكتتاب عام. وقد شهدت المصارف الإسلامية طفرة غير مسبوقة في السنوات الأخيرة حيث وصل حجم أصولها إلى 450 مليار دولار ومن المتوقع حسب توقعات مؤسسة مكينزي آند كو الأمريكية أن تزيد على التريليون دولار مع حلول عام 2010وتتركز القاعدة العريضة منها في منطقة الخليج وخاصة في دولة الإمارات العربية المتحدة. وفي المملكة العربية السعودية كشف خبراء مصرفيون مطلعون عن توقعات قوية بشأن تحول كلي إلى نظام المصرفية الإسلامية في المملكة خلال السنوات القليلة القادمة، مستندين إلى عدة معطيات منها ارتفاع حصة الخدمات الإسلامية في البنوك التقليدية، والنمو السنوي المتواصل في حجم أصول المصارف الإسلامية. وذهب أحد هؤلاء الخبراء إلى القول بأن الحكومة السعودية على وشك إقرار نظام يجعل التوافق مع الضوابط الشرعية واقعا ينبغي أن تلتزم به جميع المؤسسات المالية في البلاد، وليس البنوك وحدها. وذكرت دراسة صدرت أخيرا عن شركة “كال” للتنمية أن حجم القاعدة الرأسمالية في دول مجلس التعاون الخليجي للبنوك الإسلامية وصل إلى قرابة 30 مليار دولار، وطبقا للدراسة فإن منطقة الخليج شهدت في الآونة الأخيرة بروز ظاهرة البنوك والمصارف الإسلامية على مستويات مختلفة سواء من تحويل البنوك التجارية إلى إسلامية أو فتح فروع تتماشي مع الشريعة الإسلامية أو تأسيس بنوك جديدة عملها الأساسي وفق الشريعة الإسلامية. و في البحرين نجحت المصارف الإسلامية في تقديم أنموذج إسلامي رفيع، حيث يضم البنك المركزي البحريني هيئة رقابة شرعية مختلطة تضم ممثلين لكل المذاهب الرئيسية “الشافعية والحنفية والحنبلية والمالكية والجعفرية”، وينسحب الأمر ذاته على هيئة المراجعة والمحاسبة للمؤسسات المالية الإسلامية، وهي هيئة عالمية مقرها البحرين وتضم الهيئة علماء وخبراء من كل المذاهب الكبرى أيضا من مختلف الدول الإسلامية سواء السنية أو الشيعية أو الإباضية. وقال مسؤولو المصارف الإسلامية في البحرين إن هذه المصارف لا تفرق بين العملاء السنة أو الشيعة، وإنها تقدم خدماتها للجميع بلا تمييز، كما أن العملاء من ناحيتهم يتعاملون مع البنوك الإسلامية بطريقة عادية جدا، ويتم التفاضل بين البنوك على أساس ما تقدمه من خدمات وتسهيلات متوافقة مع الشريعة الإسلامية. ما سر هذه الطفرة غير المسبوقة في المجال المصرفي الإسلامي؟ ولماذا أقبل الناس عليها؟ وما المطلوب من تلك البنوك خلال الفترة القادمة حتى تؤكد إسلاميتها وتعمق من دورها في خدمة الإسلام والمسلمين؟ كل هذه الأسئلة وضعناها على مائدة عدد من العلماء والاقتصاديين المسلمين واستمعنا إلى إجاباتهم في السطور التالية:  في البداية يوضح الدكتور عبد الحميد الغزالي أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة أن انتشار التجربة المصرفية الإسلامية لم يأت من فراغ وإنما بسبب الصحوة الإسلامية التي نتمنى لها الاستمرار والحمد لله فما زالت دولة مثل الإمارات ترعى زهرة البنوك الإسلامية وهي الدولة نفسها التي أنشأت أول بنك إسلامي في السبعينات ولهذا فلا عجب إذا علمنا أن معظم البنوك الإسلامية تنطلق في بداياتها من الخليج العربي بشكل عام ودولة الإمارات العربية المتحدة بشكل خاص. 

البنك الإسلامي الأول 

ويضيف: في بداية عمل أول بنك إسلامي تعرضت التجربة لانتقادات حادة ولكنها وبفضل الله وإخلاص المخلصين حققت نجاحا لم يتخيله أحد ولا حتى المتفائلين من العاملين في حقل الاقتصاد الإسلامي وفي مقدمة أسباب ذلك النجاح من وجهة نظري الاستقرار السياسي والاقتصادي الذي تمتعت وما زالت تتمتع به الإمارات بشكل خاص ومنطقة الخليج كلها بصفة عامة باستثناء الفترات التي شهدت حرب الخليج في بداية التسعينات فضلا عن وجود معايير وضوابط محكمة وفرت الحماية اللازمة لصناعة الخدمات المالية الإسلامية بالإضافة إلى اتباع دول الخليج لسياسة التحرير الاقتصادي ووجود معدلات نمو عالية فضلا عن تبني الحكومات والأنظمة الخليجية وخاصة في الإمارات والبحرين تقديم حوافز استثمارية مغرية لرؤوس الأموال التي تستقر في أي مكان به أمن واستقرار وقد أثمر هذا إقبالا شديدا على صناعة المصارف والخدمات المالية الإسلامية التي تمت ترجمتها إلى منتجات مالية جديدة بل وغير مسبوقة واتخاذ العديد من هذه المصارف والمؤسسات دول الخليج مقرا دائما لها لدرجة وجود المجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية في البحرين. وأوضح د الغزالي أن المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية بمنطقة الخليج عامة والإمارات بشكل خاص استطاعت تحقيق أكبر قدر من الالتزام الشرعي وتحسين جودة الخدمات المالية المقدمة وتعزيز التعاون فيما بينها وهذا ما دفع بعض البنوك التقليدية إلى التحول إلى بنوك إسلامية بعد أن سجل هذا النوع من العمل المصرفي معدلات نمو عالية ونجاحاً مستمراً وهو ما تؤكده ميزانيات البنوك الإسلامية المتزايدة عاما بعد الأخر والتزامها بالمعايير والضوابط الدولية وسماحها بوجود نظام مصرفي ثنائي شجع على مزيد من التنافس والإبداع الذي لا يأتي إلا في جو من الحرية الاقتصادية التي أدت إلى خلق أدوات استثمارية جديدة مع الحرص على مصلحة المستثمرين والمودعين على حد السواء. 

مسيرة نجاح 

وعرض الدكتور محمد عبد الحليم عمر مدير مركز الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر لتاريخ البنوك الإسلامية في العالم وسر تمركزها في منطقة الخليج الآن وانطلاقها من هناك نحو العالمية فقال: تعود البداية الحقيقية لهذه التجربة الرائدة إلى مدينة ميت غمر شمال القاهرة حيث قام الدكتور أحمد النجار عام 1963 ببلورة فكرة تقديم قروض دون فوائد لفقراء المدينة الذين يحاولون القيام بمشروعات اقتصادية صغيرة تساعدهم على الحياة الكريمة…وظل الأمر في إطاره المحلي حتى تبلور بشكل أكبر وبصورة أكثر تنظيما من خلال إنشاء بنك دبي الإسلامي والبنك الإسلامي للتنمية وشيئا فشيئا توسعت التجربة وامتدت إلى مختلف دول العالم العربي والإسلامي بل وغير الإسلامي حيث ثبت بالتجربة أنها النظام المصرفي الأمثل في خدمة التنمية الاقتصادية وإن كنا نتمنى أن تتجه أموالها بشكل أكبر إلى المشروعات التنموية الكبيرة وطويلة المدى وعدم الاكتفاء بالبحث عن الربح السريع والمضمون عن طريق المرابحة والأفضل لها أن تتجه إلى المنتجات المالية الإسلامية الأخرى وخاصة المشاركة. وتشير الإحصاءات إلى أن هناك قرابة 500 بنك ومؤسسة مالية إسلامية تقدم خدمات متنوعة في حين قام قرابة 300 بنك تقليدي بافتتاح فروع إسلامية أو تحولت إلى بنوك إسلامية كلية وأصبحت هذه الصناعة المالية الإسلامية موجودة في أكثر من خمسين دولة عربية وإسلامية وأجنبية في مختلف قارات العالم. ويضيف: أنا أحلم باليوم الذي تسود فيه هذه الصناعة المالية الإسلامية المتميزة لتكون جزءا رئيسيا من نهضة الأمة التي يعد التقدم الاقتصادي ركيزتها الرئيسية لتعود للأمة الريادة كما كانت السيادة للدينار الإسلامي على الاقتصاد العالمي آنذاك لمدة ثلاثة قرون كاملة ابتداء من القرن الثامن إلى القرن الحادي عشر أيام الدولة العباسية. وأشار إلى أن هناك نقطتين فارقتين في مسيرة البنوك الإسلامية وهما قرار منظمة المؤتمر الإسلامي بإنشاء الإتحاد الدولي للبنوك الإسلامية عام 1978 والذي قام بدوره في بلورة المسيرة ورصد الإيجابيات وتدعيمها وحصر السلبيات والعمل على تصحيحها.. وإنشاء الغرفة الإسلامية للتجارة والصناعة التي بدأت تدب فيها الحياة بقوة مؤخرا ولها سقف عال من الطموحات التي يمكن أن تسهم بها مع البنوك الإسلامية في علاج عديد من مشكلات الأمة وخاصة إذا علمنا أن 37% من سكان العالم الإسلامي تحت خط الفقر ويعاني ربع سكانه من البطالة وتزيد النسبة إذا احتسبنا البطالة المقنعة. 

تجاوز أزمة سبتمبر 

وأشاد الدكتور إسماعيل شلبي أستاذ الاقتصاد بجامعة الزقازيق بقدرة البنوك الإسلامية في منطقة الخليج على اجتياز الأزمة التي مرت بها عقب أحداث سبتمبر حيث تم اتهام العديد منها بتمويل الإرهاب وتم تجميد حسابات كثير من الشخصيات والمنظمات الإسلامية وهذا ما أدى إلى التضييق على هذه البنوك آنذاك وبدأت ثقة الناس فيها تهتز وخشي المودعون على أموالهم ولكن بمرور الوقت استقرت الأوضاع وعادت إلى سابق عهدها بل وتطور الأمر إلى انتشار التجربة المصرفية في العديد من الدول غير الإسلامية نظرا لما ثبت لديهم من فوائدها الاقتصادية وقد قرأت دراسة لشركة الاستثمار العالمي المعروفة باسم “جلوبال” وجاء فيها أن دولة الإمارات العربية المتحدة هي أكبر مصدر للسندات الإسلامية في العالم خلال السنوات السبع الأخيرة حيث ساهمت بأكثر من ثلث قيمة الإصدارات العالمية منها. وحث د. شلبي البنوك الإسلامية على الدخول في تكتلات كبير لمواجهة تكتل البنوك التقليدية بالإضافة إلى تقوية وجودها على الساحة الاقتصادية العالمية حتى تستطيع الدخول بشكل أكبر في مجال التنمية بكل مراحلها وهنا سيجني المجتمع الإسلامي كله ثمار ذلك وستبتعد معاملاتنا عن شبهة الربا وتكون لها الريادة في الميدان المصرفي وتكسر التبعية للغرب والتي ظلت قيدا في عنق أي نهضة اقتصادية إسلامية. 

طفرة كبيرة 

دعا الدكتور حمدي عبد العظيم أستاذ الاقتصاد بأكاديمية السادات للعلوم الإدارية إلى تعميق العلاقة بين المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية والبعد عن أية معاملات فيها شبهة حتى يستقر يقين الناس أن معاملاتها متوافقة مع الشرع بشكل كامل من خلال إشراف هيئة الرقابة الشرعية وضرورة تبني الإتحاد العالمي للبنوك الإسلامية لإنشاء هيئة رقابة شرعية عليا تراقب النواحي الشرعية في عمل كل البنوك الإسلامية وبيان حكم الدين في أي منتج مالي جديد حتى تستطيع توظيف استثماراتها في اقتصاد حقيقي مفيد للمجتمع والحصول على أرباح من عملية إنتاج وتسويق حقيقي… وفي الوقت نفسه ضرورة تطوير العمليات المصرفية الإسلامية لتلبي احتياجات الاقتصاد وعمل دورات على أعلى مستوى للكوادر العاملة في هذه المصارف حتى لا تكون نسخة طبق الأصل من كوادر البنوك التقليدية. ويضيف: إن الطفرة الكبيرة التي حدثت في مجال عمل البنوك الإسلامية في دول الخليج والإمارات بشكل خاص أمر يعني أنها أصبحت ركيزة أساسية في هذا الميدان المتميز ولا شك أن للحكومات الخليجية دوراً مهماً في هذه الطفرة ويجب أن يوجه لها الشكر والتقدير على رعايتها هذه النبتة الإسلامية التي أصبحت بعون من الله وبمساعدة تلك الحكومات زهرة يانعة تفيد الإسلام والمسلمين وتحقق فائدة حقيقية لاقتصادات العالم الإسلامي وهناك أخبار عن إنشاء أكبر بنك إسلامي في العالم خلال الفترة القصيرة المقبلة برأس مال قيمته 100 مليار دولار وسيتخذ من البحرين مقرا رئيسيا له وهذا تأكيد واضح على أن البنوك الإسلامية أصبحت جزءاً من النسيج المالي العالمي ولابد أن يتواكب ذلك مع نشر مزيد من الوعي لدي العاملين في تلك البنوك وإنشاء مراكز لرفع كفاءة قياداتها وموظفيها. 

الدور التنموي 

يقول الدكتور عبد الفتاح الشيخ رئيس لجنة البحوث الفقهية بمجمع البحوث الإسلامية: بلا شك فإن انتشار ثقافة المعاملات الإسلامية في المجال المصرفي أمر يدخل السرور والسعادة على قلب كل مسلم غيور على دينه لأنه يؤكد أن قلوب جماهير المسلمين ما زالت عامرة بالإيمان ولكن هذا الانتشار يصاحبه سؤال مهم يجب أن نوجهه للبنوك الإسلامية حول دورها في تنمية المجتمعات التي تعمل فيها خاصة وأن ثقافة المعاملات المالية الإسلامية تقوم أساسا على أن المال ينبغي أن يمارس دوره في توفير الكفاية لجميع أفراد المجتمع انطلاقا من قوله تعالى: “كي لا يكون دولة بين الأغنياء” فمن مقاصد الشريعة الإسلامية في المال أن يدور بين أكثر عدد ممكن من الأيدي بصورة صحيحة شرعا حتى يعم النفع على جماعة المسلمين وبدون شك فإن من وجوه الصورة الصحيحة لدوران المال أن يكون للبنك الإسلامي دوره الاجتماعي من خلال حسن توظيفه للمال والعمل على أن يستفيد منه أكبر عدد ممكن من المسلمين حتى يكون بحق بنكا إسلاميا قدم للمجتمع المسلم خدمات جليلة أهمها أنه قدم البديل المصرفي الذي يضمن توفير السيولة المالية المساعدة على تقدم ونهضة الأمة في مختلف المجالات حسب الصورة التي يرتضيها الإسلام في التعامل وفقا للأحكام الشرعية بالإضافة إلى دوره التنموي. ويلفت د. الشيخ النظر إلى أن الحكومات الإسلامية مطالبة بأن تتخذ الخطوات نفسها التي سبق واتخذتها دولة الإمارات العربية المتحدة في دعم أداء البنوك الإسلامية وتشجيعها والتمكين لإقامتها في كل الدول العربية حتى تغطي حاجة المسلمين بشرط أن تتوخي تلك البنوك الدقة في كل ممارساتها ومعاملاتها وتخضعها للنقاش الشرعي حتى تحافظ على مناخ الثقة بينها وبين جماهير المسلمين التي أقبلت على وضع أموالها في تلك البنوك وفي الوقت نفسه على مجامع البحوث الإسلامية في كل مكان بالعالمين العربي والإسلامي العمل على طرح المستجدات الاقتصادية على مائدة البحث الشرعي حتى توفر للطرفين (البنوك والجماهير) الرأي الشرعي الصحيح والموحد حول مختلف المسائل لمنع نشر البلبلة بين المسلمين كما يجب على المسؤولين عن تلك البنوك أن يدركوا ضرورة أن تستمر المؤسسات المالية الإسلامية بتميزها باستقائها مبادئها من الشريعة الإسلامية وأن تزيد من اطمئنان العملاء من خلال وجود هيئة معتبرة أو لجنة للرقابة الشرعية فيها باعتبارها شرطا ضروريا لحاجة الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية في هذه المؤسسات الإسلامية.

تشغيل أموال المسلمين

ويقول الدكتور محمد نبيل غنايم مدير مركز الدراسات الإسلامية بجامعة القاهرة: ظاهرة نمو وتزايد عدد البنوك الإسلامية أمر يسر القلب ويؤكد أن الإسلام دين يصلح لكل زمان ويمتلك كل مقومات البقاء والاستمرار وأنه الدين الوحيد الذي قد فكرا اقتصاديا وسياسيا وشرعيا فها هو الاقتصاد الإسلامي يحطم حاجز الخوف وجدار الشك وأباطيل من زعموا أنه من المستحيل أن يتم تطبيقه وأنه غير مناسب لحاجة المعاملات الاقتصادية وغير الاقتصادية في حياتنا المعاصرة ولكن الاقتصاد الإسلامي خيب ظنونهم وحقق تلك النجاحات المدروسة في مجال المصارف الإسلامية حتى أن بعض المفكرين الغربيين سبق وأكدوا أن الاقتصاد الإسلامي هو السبيل الوحيد لإنقاذ الاقتصاد العالمي الذي يقف على حافة الهاوية.ويضيف: يجب أن يعمل كل مسلم على دعم هذا النوع من البنوك حتى تقوم بوظيفتها في تنمية أموال المسلمين وإثمارها باعتبار البنك الإسلامي مستخلفا في هذا المال ووكيلا عن أصحابه فيجب عليه أن يوظفه التوظيف الصحيح والفعال لصالح المجتمع الإسلامي كله وباعتبار ذلك المال أصلا من أصوله التي يتعين تنميتها وإثمارها وليس اكتنازها أو حجبها وحرمان المجتمع والناس الذين هم في حاجة إليها منها حتى نتحاشى غضب الله سبحانه وتعالى حيث يقول في القرآن الكريم: “والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم. يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون” فالبنوك الإسلامية عليها دور هام للغاية في تشغيل أموال المسلمين فيما ينفعهم وينفع أوطانهم من توسيع ميادين الإنتاج وتهيئة سبل العمل للقضاء على البطالة والفقر وتوفير مجالات الرزق الحلال لإصلاح أحوال الأمة الإسلامية وكل هذا لن يحدث إلا عندما ينطلق مال المسلمين في المجالات التي نصت عليها الشريعة الإسلامية دون تطرف أو تفريط.كما أنه على البنوك الإسلامية أن تفعل من قيمة أداء الزكاة التي فرضها الإسلام على كل معاملات البنوك لأن ذلك من شأنه تعميق الحس الديني بالإضافة إلى تحقيق الأهداف الاجتماعية والإنسانية من وراء عمل البنك ومراعاة التوازن بين الأهداف التجارية والأهداف الإنسانية بالإضافة إلى أن الزكاة فيها نوع من أنواع التطهير لكل معاملات البنك حيث يقول الله تعالى: “خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها” فالبنك الإسلامي عندما ينفق زكاة أمواله في مصارفها الشرعية التي حددها الله تعالى في قوله: “إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم” فإنه يكون بحق خير معبر عن الإسلام والمسلمين.

مزيد من الدعم

من جانبه يؤكد الدكتور عبد الصبور شاهين المفكر الإسلامي المعروف والأستاذ بكلية دار العلوم (جامعة القاهرة) على أن انتشار المعاملات المصرفية الإسلامية أمر من شأنه التأكيد على نجاح العمل المالي الإسلامي وتأكيد على عظمة تشريعاته حيث إن أصل العمل المالي الإسلامي يرجع إلى المعتقدات الأساسية للمجتمعات الإسلامية ويتأسس على هدي القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وقد نجح وكما هو واضح في بناء منظومة مالية إسلامية متميزة تنفيذا لقوله تعالى: “يا أيها الذين أمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل” (النساء: 2).ويضيف: هذا الانتشار الكبير للبنوك الإسلامية وهذا الدعم الذي تتلقاه من جانب الحكومات العربية خاصة في دول الخليج أمر يثير الفخر والاعتزاز بديننا الإسلامي ويؤكد قدرته بتشريعاته الإلهية على بناء مجتمع قوي من جميع الوجوه اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا ونجاح البنوك الإسلامية يجب أن يحفز الجميع على تقديم المزيد من الدعم لها حتى تستطيع تلك البنوك ممارسة دورها في حماية الثروات الإسلامية من الاستغلال والمضاربات الأجنبية بما يكفل العدالة الاجتماعية لكل فرد في المجتمع الإسلامي ويحول دون الغني الفاحش والفقر المدقع كما يحول دون الثراء غير المشروع.ويشير د. شاهين إلى أن نجاح تلك التجربة يلقي بأعباء كبيرة على كاهل المسؤولين عن تلك البنوك أولها ضرورة أن تعمل الهياكل الإدارية لتلك البنوك على توفير كوادر مؤهلة للالتزام بشريعة الله التزاما تاما في كل ممارسات تلك البنوك وليس التزاما جزئيا أو منقوصا حتى تتخلص تلك البنوك من الأخطاء الشرعية التي تؤخذ عليها كما أن على تلك البنوك المشاركة الفعلية والجدية في توجيه أموال المسلمين لما ينفعهم من خلال المشاركة في المشاريع الإنتاجية وبذلك يربح المسلمون الذين وضعوا أموالهم في تلك البنوك كما تربح المجتمعات الإسلامية التي أنشئت فيها تلك المشاريع ليتأكد للعالم كله أن المعاملات المالية وفق أحكام الشريعة الإسلامية هي القادرة على تحقيق الربح للطرفين المستثمر من جهة والمجتمع المسلم كله من جهة أخرى وبالتدريج سوف تختفي العديد من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي نعاني منها إن لم تختف كل المشكلات.وإذا التزم البنك الإسلامي بأحكام الإسلام في كل ممارساته فسوف تختفي كل الخلافات المالية بين الناس إلى الأبد لأن الإسلام وقف موقف عادل ووضع ضوابط لا تضر بأحد ولا تحابي أحدا على حساب أحد فوضع شروطا للقرض والاقتراض وشروطا أخرى لكل المعاملات المالية التي يؤدي أي اختلاف فيها إلى تمزيق علاقات الود بين الناس حيث أنهت الضوابط الإسلامية في مجال المال أي احتمالات لحدوث منازعات بين الأفراد.                     

د. أحمد عمر هاشم: دليل على عظمة تشريعات الإسلام 

أما الدكتور أحمد عمر هاشم رئيس اللجنة الدينية بالبرلمان المصري وأستاذ السنة النبوية بالأزهر فيشير إلى أنه فرح للغاية عندما قرأ مؤخراً خبراً عن قيام ثلاثة بنوك إسلامية جديدة في دولة الإمارات وإن كان هذا أمرا ليس بالجديد على دولة الإمارات الرائدة في مجال أسلمة المعرفة من أجل التأكيد على عظمة الإسلام فمن المعروف أن الإمارات كانت مهد أول بنك إسلامي في العالم وقد عملت الدولة كلها على دعم هذا البنك وإلا ما كان قد حقق النجاح الذي أغرى العديد من رجال الأعمال المسلمين بتقليده والسير في ركابه لنرى الآن تجربة المصارف الإسلامية تجربة ناجحة وقوية حتى إن بعض بنوك الغرب خصصت فروعا بالكامل للمعاملات المالية وفق أحكام الشريعة الإسلامية وكل ذلك يدل على عظمة الإسلام في كل تشريعاته وقدرته الفذة على التعاطي مع كل قضايا المجتمع الدينية والدنيوية.ويضيف: إن نمو هذه التجربة المالية الإسلامية وانتشارها بهذا الشكل أمر نرفعه لكل من يهاجمون الإسلام وتشريعاته وتراثه الديني ويصفونه بالتطرف والدموية وندعوهم من خلال تلك النتائج لدراسة الإسلام دراسة واقعية حيادية حتى يكتشفوا كذب ادعاءاتهم كما نوجه تلك النتائج المبهرة للعلمانيين من أبناء جلدتنا الذين أخذوا على عاتقهم تشويه كل قيم الإسلام ونحن نقول لهؤلاء هذا هو الإسلام وهذه هي أفكاره ومعتقداته وأحكامه يثبت كل يوم أنه ينطلق من أساسين مختلفين الأول أنه يستمد فلسفته من الكتاب والسنة والثاني أنه يجمع بين الدين والدنيا في تناغم شديد الدقة.ولعل تجربة البنوك الإسلامية ونجاحها المدوي دليل واضح على الصحوة الإسلامية التي بدأت تدب في أوصال العالم الإسلامي فها هي جماهير المسلمين تقبل على المعاملات الإسلامية بعد أن اطمأنت لها وهكذا جاء انتشار تلك البنوك انتشارا تلقائيا لم تفرضه أية جهة وسرعان ما احتلت مكانتها اللائقة بين الجماهير المسلمة وغير المسلمة في بعض الأحيان وهذا تأكيد حي على تلك الصحوة التي لا علاقة لها بالسياسة لا من قريب ولا من بعيد وإنما هي نابعة من قلوب المسلمين التي تاقت إلى المعاملات الحلال التي لا شبهة حرام فيها وهو دليل واضح على أن قلوب المسلمين ما زالت عامرة بالإيمان الذي دفعهم للانصياع لأحكام الإسلام. وينهي د. هاشم حديثه قائلا: إن انتشار البنوك التي تتبع أحكام الإسلام في كافة تعاملاتها أمر يؤكد أن المسلمين إذا ساروا خلف السنن والأسباب التي وضعها الله تعالى فسيحققون التقدم والرقي والنماء فسنن الله في كونه لا تحابي أحداً حيث يقول تعالى: “استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا” (فاطر: 43) كما قال تعالى “ولا تجد لسنتنا تحويلا” (الإسراء: 77) فسنن الله قوانين عامة تطبق على الجميع فمن يرعاها ويأخذ بها يتقدم وينطلق ومن يغفل عنها ويهملها يتقهقر ويتأخر فالعودة إذن لروح الإسلام وجوهره واستحضاره كاملا في نفوس وعقول المسلمين وتطبيق قيم الشريعة الإسلامية في كل مجال من مجالات حياتنا كفيل بنماء تلك الصحوة الإسلامية في كل المجالات كما نمت وازدهرت في المجال المصرفي ليشكل ذلك أملا جديدا في العودة إلى الذات وتحقيق انطلاقتنا الكبرى نحو الرقي والتقدم.ويجب ألا ننسي ضرورة دعوة البنوك الإسلامية إلى تنسيق نشاط هيئات الرقابة الشرعية لديها سواء بتجديد عمل الهيئة العليا للرقابة الشرعية للبنوك الإسلامية أو عن طريق إيجاد هيئة جديدة بما يكفل الوصول إلى معايير موحدة لعمل الهيئات الشرعية في البنوك الإسلامية منعا للخلط والبلبلة. 

تحقيق: مصطفى ياسين، موقع “الخليج” 2008-02-29

About these ads
 
التعليقات مغلقة

Posted by على مارس 15, 2008 in البنوك الإسلامية

 

التعليقات مغلقة.